محمد بن علي الشوكاني
5582
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
تلك الحال لم يكن قد ظهر منه يدل على خلوص إسلامه ، واستقامة طريقه ، وإنما ظهر منه ذلك بعد موته - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - فهذا التقرير بالسكوت الكائن على هذه الصفة في مثل هذه الحالة بعد ثبوت تحريم الغيبة في القرآن الكريم [ 4 أ ] ، وفي السنة المطهرة ، وعلم الصحابة به وإجماعهم عليه - لا ينبغي التمسك بمثله ، ولا يحل القول بصلاحيته للتخصيص ؛ لأن السامعين من المسلمين في تلك الحالة قد علموا تحريم الغيبة ، وتقرر عندهم حكمها ، فلو لم يكن السكوت إلا لكون حكم الغيبة قد صار معلوما واضحا مشتهرا عندهم ، لكان ذلك بمجرده قادحا في الاستدلال به ، وتخصيص الأدلة القطعية بمثله ، وهذا على تقدير أن أبا سفيان لم يكن حاضرا في ذلك الموقف ، فإن كان حاضرا - كما قيل - اندفع التعلق بسكوته - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - من الأصل ، ومع هذا فلا ضرورة ملجئة للمستفتي إلى التعيين ، حتى يقال : إنه لا يتم مطلوبة من الاستفتاء إلا بالتعين ؛ فإنه يحصل مطلوبة بالإجمال ؛ لأن المقصود استفادة الحكم الشرعي ، و [ هي ] ( 1 ) حاصلة بمعرفة ما يقوله المفتي مع الإجمال كما يحصل معرفته [ 4 ] بما يقوله مع التفصيل والتعيين ، وهذا مما لا شك فيه ولا شبهة . وبهذا تعرف أن هذه الصورة ليست من صور تخصيص تحريم الغيبة ( 2 ) ؛ لعدم انتهاض دليلها ، يعرف ذلك كل عارف بكيفية الاستدلال . [ الصورة الرابعة : جواز الغيبة لتحذير المسلمين من الشر ] . وأما الصورة الرابعة : وقد جعلها النووي ( 3 ) - رحمه الله - في كلامه السابق على أقسام خمسة : القسم الأول : الجرح والتعديل للرواة والمصنفين والشهود : واستدل على جواز ذلك
--> ( 1 ) في ( ب ) وهو . ( 2 ) انظر " روح المعاني " للألوسي ( 26 / 161 ) ، " فتح الباري " ( 9 / 509 ) . ( 3 ) في شرحه لصحيح مسلم ( 16 / 143 ) .